علي بن أحمد المهائمي
212
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
لا التباس لبعض المعاني بالبعض عند انكشافها صريحة ، بخلاف ما إذا انكشف مصورة ( في حضرة الخيال ) في يقظة أو منام ؛ فإنه ( يحتاج إلى علم آخر ) وراء علم الحقائق التي يجب الاطلاع عليها لمن كان نبيّا أو وليّا ( يدرك به ما أراد اللّه بتلك الصورة ) مما يناسبها بوجه ما ، وقد يعرفها من ليس له قدم راسخ في الحقائق ، ويجهلها الراسخون . ( ألا ترى كيف قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر ) مع رسوخه في معرفة الحقائق ( في تعبيره الرؤيا ) ، وهو ما روي : أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : إني رأيت ظلة ينطف منها السمن والعسل ، وأرى الناس يتكففون في أيديهم فالمستكثر والمستقل ، وأرى سببا وأهلا من السماء إلى الأرض ، فأراك يا رسول اللّه أخذت به فعلوت ، ثم أخذ به رجل آخر فعلا ، ثم أخذ به رجل أخر فعلا ، ثم أخذ به رجل أخر فانقطع ، ثم وصل له فعلا ، فقال أبو بكر : أي رسول اللّه - بأبي أنت وأمي - واللّه لتدعني فأعبرها ، فقال : اعبرها ، فقال : أما الظلة ؛ فظلة الإسلام ، وأما ما ينطف من السمن والعسل ؛ فهو القرآن لينه وحلاوته ، وأما المستكثر والمستقل ؛ فهو المستكثر من القرآن ، والمستقل منه . وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه نأخذ به ، فيعليك اللّه ، ثم يأخذ به بعدك رجل أخر فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل أخر بعده فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل أخر بعده فينقطع به ، ثم يوصل له فيعلو به ، أي رسول اللّه لتحدثني أصبت أم خطأت ؟ ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصبت بعضا ، وأخطأت بعضا » ، فقال : أقسمت بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لتحدثني ما الذي أصبت ، وما الذي أخطأت ، فقال عليه السّلام : « لا تقسم » ، متفق عليه « 1 » . وإليه الإشارة بقوله : ( فسأله أبو بكر أن يعرفه ما أصاب فيه ، وما أخطأ فلم يفعل صلّى اللّه عليه وسلّم ) إشعارا بأن الجهل بذلك لا يضر الكامل إذا رسخ في معرفة الحقائق ، وبأن تعرف مثله بالاجتهاد أولى ، إذ بذلك يحصل له ملكة في معرفة تأويلات سائر الصور الخيالية ، والذي يلوح لخاطري الفاتر أن أبا بكر أخطأ في تفسير الظلة بالإسلام مع أنها ينطف منها القرآن ، والقرآن لا ينطف من الإسلام ، بل من الحضرة الإلهية ، فالأولى تفسيرها بها ؛ فهو إشارة بأننا تحت ظلة الحضرة الإلهية التي ينطف منها القرآن ، وأخطأ أيضا في تفسير السبب بأنه الدين الحق ، إذ لم يحصل الانقطاع لعثمان رضي اللّه عنه قط في أمر دينه بل في خلافته ، فالأولى تفسيرها بالخلافة وقعت فيها الفترة في أمر عثمان ، ثم وصلت بعلي رضي اللّه عنه فعلا بذلك أمر عثمان إذ قام علي مقامه ، وكأنه باق على حاله .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2582 ) ، ومسلم ( 4 / 1777 ) .